و كان علي أنا ترتيب الأمور من أجل هذه الرحلة
إلى المدينة الساحلية، مدينتي الأصلية، و التي لم أزرها منذ زمن..
" هل تصدّق يا وليد ؟؟ إنني لا أكاد أصدّق ! كأنه حلم !
آخر شيء كنت أتوقعه في الوجود على الإطلاق..
هو أن أرث شيئا و من ثروة عمّي الذي لم أره في حياتي غير بضع مرّات عابرة ! "
قالت ذلك ، و هي بين التصديق و التكذيب.. تشع عيناها فرحا و ابتهاجا..
قلت :
" سبحان الله ! "
أروى، مدت يديها و أمسكت بيدي و قالت :
" شدّ على يدي ّ بقوّة يا وليد ! دعني أحس بالألم لأتأكّد من أنها حقيقة "
ابتسمت لها و قلت :
" إنها حقيقة مذهلة ! صدّقي يا أروى ! أصبحت ِ ثرية ! "
أروى نظرت إلي بسعادة، و اغرورقت عيناها بالدمع، ثم ارتمت في حضني ...
" ضمّني بقوّة يا وليد.. فأنا أريد أن أشعر بأنها الحقيقة..بأنني لا أحلم..
بأنني في الواقع..وبأنك معي ! "
أحطتها بذراعي مشجعا ..و مؤكدا لها ما أعجز أنا نفسي عن تصديقه... و مكررا :
" سبحان الله...سبحان الله "
أغمضت عيني، و نحن متعانقين، و سبحت في بحر الذكرى البعيدة...
استعرض شريط حياتي و المفاجآت التي اختزنها القدر لي ، و صدمني بها مرة تلو أخرى ...
قالت أروى :
" ماذا سنفعل الآن؟؟ "
" لا أعرف ! لازلنا في أول الطريق ! "
ابتعدت أروى عن صدري قليلا، و نظرت إلي مطولا، و ابتسمت و قالت :
" لا حاجة للقلق..ما دمت معي "
ابتسمت لها، فعادت و غمرت رأسها في صدري بارتياح...
أما أنا فأغمضت عيني في ألم...و مرارة ..في حيرة و ضياع..
ماذا سأفعل الآن؟؟ ماذا ينتظرني بعد ؟؟ ماذا تخبئين لي أيتها الأقدار ؟؟
و عندما فتحتهما..لمحت عينين حمراوين..ملأتهما الدموع..
تنظران إلي بألم، مطلتين من فتحة الباب.. و ما أن رأيتهما ..
حتى انسحبت صاحبتهما مبتعدة .. تاركة إياي في بحر من الضياع..
لم استطع البقاء مكاني لحظة بعد.. أبعدت أروى عني قليلا و قلت :
" دعيني أذهب لترتيب بعض الأمور.. من أجل السفر "
أروى ابتسمت و قالت :
" و أنا أيضا سأرتب بعض أموري... لا أدري كم سنغيب هناك ! "
و تركتها و تسللت نحو غرفة رغد..
طرقت الباب مرارا لكنها لم تجبني، و حين هممت بالانصراف رأيت مقبض الباب يتحرك أخيرا...
في الداخل، وجدت رغد غارقة في الدموع المريرة..فتصدّع فؤادي و طار عقلي خوفا عليها...
" ما بك صغيرتي؟؟ ماذا حصل ؟"
رمتني رغد بنظرة ثاقبة .. لم يكفها تمزيق أحشائي بل و صهرت الجدار الذي خلفي من حدّتها...
" رغد !؟ "
قالت :
" متى ستسافران ؟ "
قلت :
" خلال أيام معدودة "
قالت :
" هل يجب أن تذهب أنت ؟ "
استغربت سؤالها و أجبت :
" طبعا ! فأروى ستكون بحاجة إلي بالتأكيد ! "
قالت بنبرة حزينة :
" و أنا ؟ "
نظرت إليها بتعجّب ، و قلت :
" بالطبع ستكونين معنا ! "
رغد لم تعقّب، بل أحنت رأسها للأسفل بحزن...






رد مع اقتباس
المفضلات