أيضا لا أعرف...
الشيء الذي ألاحظه هو أنني في وسط طريق بري.. و لم أعد أرى السماء متوهجة.. و لم أعد أحس بالأرض ترتعد كما لم أعد أسمع الدوي و لا الضجيج...
" رغد.. دانة.. "
لم تجب أي منهما...
" رغد.. دانة أتسمعانني ؟؟ "
و أيضا لم تردا..
هلعت، رفعت يدي اليمنى عن المقود و مددتها نحو رغد التي لا تزال على نفس الوضع..
" رغد صغيرتي.. ردي علي.. "
ببطء تحركت رغد حتى استوت جالسة و هي تخفي وجهها خلف يديها خشية النظر .. و شيئا فشيئا فرّقت ما بين أصابعها و سمحت لنظرة منها للتسلل إلى المحيط و رؤية ما يجري..
" لقد ابتعدنا.. أأنتِ بخير ؟؟ "
نظرت رعد غير مصدقة.. إلى الشارع .. إلى السماء.. إلى الطريق من أمامنا .. إلى دانة من خلفنا.. و إلي..
لم تستطع النطق بأي كلمة.. عادت تنظر إلى الوراء تريد أن تنادي دانة الدافنة وجهها في المقعد المجاور .. ألا أنها عجزت عن ذلك..
نظرت أنا إلى دانة و هتفت بصوت عال:
" دانة.. عزيزتي.. اجلسي أرجوك "
دانة لفت برأسها إلينا و جعلت تنقل بصرها بيننا ..
ثم جلست و نظرت عبر النافذة المغلقة ثم قالت:
" أين نحن ؟؟ "
قلت و أنا أنظر إليها عبر المرآة:
" الله أعلم "
قالت:
" أين نذهب ؟؟ "
قلت:
" الله أعلم.. فقط لنبتعد عن منطقة الخطر.. "
نظرت إلى الوراء ثم إلي و قالت:
" هل سننجو ؟ "
أنى لي أن أتنبّأ ؟؟
الله الأعلم..
دانة اقتربت من مسند مقعدي حتى التصقت به و مدت يدها عبر الفتحة بين المقعدين إلى ذراعي تمسك به و تصيح:
" هل هذه حقيقة ؟؟ وليد هل أنا أحلم ؟؟ ألا زلت نائمة ؟؟ هل مت ّ ؟؟ هل أنا حية ؟؟ "
رفعت يدي فأمسكت بيدها،إن لأواسها أو لأطلب منها المواساة .. و كم كانت باردة كالثلج...
" وليد "
هذه كانت رغد التي تنظر إلي ربما طالبة المواساة و الأمان هي الأخرى.. ثم ضمّت يدها إلى أيدينا و دخلتا في نوبة طويلة و قوية من البكاء و النواح..
لقد كنت أنا أيضا بحاجة للبكاء مثلهما.. فما رأيت كان من الفظاعة و الشناعة ما يجعل الجبال الصخرية تخر منهارة..
ألا أن الدموع ستحول دون الرؤية أمامي، و أنا أقود وسط الظلام بسرعة رهيبة..
تماسكت و ركزّت على الطريق..
فجأة.. قالت دانة:
" نوّار ! "
ثم أخذت تلطم على وجهها و تنوح..
" يا إلهي ماذا جرى لنوّار ؟؟ "
و نظرت إلي و هي تسأل:
" الهاتف ؟؟ "
و لكن الهاتف لم يكن معي...
إننا نفذنا بجلودنا و الله العالم بما حلّ بمن بقي في المدينة..
لم تهدأ من نوبة النواح إلا بعد زمن... أظن القنوط غلبها و استسلمت لما يخبئه لنا القدر






رد مع اقتباس
المفضلات