" تصبحين على خير "
و استدار.. و سار مبتعدا.. و غادر المكان.
بقيت أنا أراقبه حتى غاب... و غاب معه قلبي و حسّي...
سرت ببطء عائدة إلى الداخل فوجدت الثلاث في انتظاري.. سألت خالتي:
" إذن ماذا ؟ "
قلت:
" سيأتي غدا... "
و صعدت أنا و نهلة إلى غرفتها من جديد...
قالت:
" بدوت ِ مضطربة رغد ! ماذا قال لك ؟؟ "
أمسكت بيديها و قلت:
" نهلة.. سأجن.. لا أعرف لم أصبح هكذا ؟ إنه مخيف ! "
" رغد ! ماذا قال ؟؟ "
" لا أذكر ما قال ! ماذا قال ؟؟ لا أدري نهلة إنني أفقد تركيزي حين يكون على مقربة ! لا أعرف ما الذي يصيبني ؟؟ "
و لم أتمالك نفسي... تفجرّت عيناي بسيلين متوازيين من الدموع الدافئة تسابقا على تبليل خديّ الحزينين...
" رغد.. عزيزتي تماسكي "
" إنه سيسافر.. من جديد يا نهلة سأحرم من وجوده.. من رعايته.. من أن أراه.. و أتعلّق به.. و اسمعه يناديني ( يا صغيرتي ) كما كان يفعل منذ طفولتي.. لا أحد يناديني هكذا حتى الآن.. كيف سأتحمّل عودة حياتي خاليه منه و قلبي أجوف لا يسكنه أحد ؟ سأجن يا نهلة إن تركني و غادر.. لا أحتمل ذلك.. أنا أحبه كثيرا يا نهلة كثيرا.. إنه كل شيء بالنسبة لي.. ما أنا فاعله من بعده ؟ أخبريني ماذا أفعل ؟ ماذا ؟ "
و لم أر غير الظلام و السواد الذي غلّف حياتي و بطّنها أسفا على وليد قلبي...
و رغم الآلام و التعب.. و الإعياء الذي أعانيه..ضل النعاس طريقه إلى عينيّ حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة المشؤومة...
~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
كنت أتمنى الذهاب إلى مكان واسع.. رحيب.. تعبث تيارات الهواء في سمائه بحرية..
إلى البحر.. حيث أرمي بأثقال جسدي و هموم صدري الضائق الحزن...
ألا أنني عدت إلى المنزل الكئيب و جدرانه العائقة.. لأبقى رفيقا لشقيقتي الغاضبة...
كانت في غرفتها، حمدت الله أن لم تسنح الفرصة للقائنا مجددا، فبعد الذي أثارته هذا اليوم، كرهت نفسي و كرهت انتسابي لهذا البيت..
بعدما رحل نوّارعند المغرب، أتتني و مزيج من الشرر و الغضب و الذهول و عدم التصديق يتربع على وجهها..
" سؤال واحد، أجبني عليه.. و بعدها انس أن لك أختا.. يا وليد، قل لي.. أنت.. كنت في السجن ؟؟ "
و تلا السؤال عشرات الأسئلة.. أسئلة بدا أنها عرفت الإجابة عليها من سامر، و الذي بالتأكيد خضع لاستجواب مكثف من قبلها قبل رحيله..
و أسئلة أخرى تهرّبت من الإجابة عليها.. فما رأيته في عينيها من الغضب و الاحتقار كان كاف لقتل أي رغبة في الدفاع أو التبرير في نفسي..
" لا أصدّق ذلك ! أخي أنا.. قاتل خرّيج سجون ؟؟ و أنا من كنت أظنه رجل أعمال كبير درس في الخارج ! أنا من كنت أتباهى بك بين رفيقاتي ..! كيف أواجه خطيبي و أهله بحقيقة خاذلة كهذه ؟ لذلك كنت تتحاشى الحديث عن نفسك ! كم أنا مصدومة بحقيقتك ! "
عندما صوّبت نظري إليها، أشاحت بوجهها الباكي و ركضت إلى غرفتها تواري الألم.. و تدفن الواقع المخزي..
و هاهي الآن.. منعزلة في ذات الغرفة منذ ساعات...
و بدوري، انزويت في غرفة سامر مع حشد من الأفكار الكئيبة.. تولى قيادتها و سيادتها..صغيرتي رغد..
و كلما تذكرت الخوف الذي تملكها و هي تقف أمامي.. أكره نفسي و وجودي و كياني..
إذا لم أكن على الأقل أمثل مصدر الطمأنينة و الأمان لصغيرتي.. فماذا يعني وجودي في هذا الكون ؟؟
ماذا تبقى لي.. ؟ هاقد خسرت أهلي أيضا.. سامر و تشاجرت معه و حطمت قلبه و علاقتي به .. و دانة و وقعت من عينيها و صارت تزدريني.. و رغد.. رغد الحبيبة.. تنفر مني و ترتجف خوفا ؟؟
كيف جعلتها تذعر مني هكذا و تفقد ثقتها بي ؟؟
ما عساها تظن بي الآن ؟؟
أي موقف ستتخذ مني متى عرفت عن سجني و جريمتي ؟؟