" أريد أن أجرب ! "
اعتقد أنها ابتسامة تلك التي ظهرت على إحدى زاويتي فمه !
قال :
" هل تعنين ما تقولين ؟؟ "
" نعم ... أتسمح ؟؟ "
وليد هز رأسه اعتراضا و قال :
" لا ... لا أسمح "
" لم ؟ "
" لا أسمح لشيء كهذا بدخول صدرك ... "
" لكنه يدخل صدرك ! "
قال :
" أنا صدري اعتاد على حمل السموم و الهموم ... "
ثم رمى بالسيجارة أرضا و سحقها تحت حذائه ...
و علت وجهه علامات التألم ، و ضغط بيده على بطنه و قال :
" لندخل "
و حينما دخلنا ، قال :
" تصبحين على خير "
و اتجه نحو المطبخ ...
أنا تبعته إلى هناك فرأيته يخرج علبة حليب بارد و يجلس عند الطاولة و يرشف منها ...
و بعد رشفة أو رشفتين سمعته يتأوه ... و يسند رأسه إلى الطاولة في وضع يوحي للناظر إليه بأنه يتألم ...
دخلت المطبخ ... فأحس بوجودي ... فرفع رأسه و نظر إلي ...
" ألن تخلدي للنوم ؟ الوقت متأخر "
شعرت بقلق شديد عليه ... قلت :
" ما بك ؟؟ "
أبعد نظره عني و قال :
" لا شيء "
لكني كنت أرى الألم باد على وجهه ... و عاد يشرب الحليب جرعة بعد جرعة ...
" وليد ... هل أنت مريض ؟؟ "
تنهد بنفاذ صبر و شرب بقية الحليب دفعة واحدة ، ثم نهض ... و خطا نحوي ...
" تصبحين على خير "
و تجاوزني ، و ذهب إلى غرفة سامر ... و أغلق الباب ...
~ ~ ~ ~ ~ ~
صحوت من النوم على صوت والدتي توقظني من أجل تأدية صلاة الفجر ...
كنت قد نمت قبل ساعة و نصف ، و أشعر بإعياء شديد ...
أفقت من النوم فوجدتها واقفة قربي ... نهضت و ذهبت للتوضؤ ، و عندما عدت وجدتها لا تزال واقفة عند نفس المكان تنظر إلى المنضدة ...
ما أن أحست بوجودي حتى استدارت نحو بسرعة ، و قالت :
" والدك ينتظرك ... "
ثم خرجت من الغرفة ....
ألقيت نظرة على المنضدة التي كانت أمي تراقبها قبل مجيئي ... فإذا بي أرى صورة رغد الممزقة ... التي نسيتُ إعادتها إلى محفظتي ليلا ...
شعرت بالقلق ... لابد أن أمي رأت الصورة واضحة ... و لابد أن شكوكا قد راودتها
إلا إذا كان احتفاظ رجل لصورة ممزقة لطفلة كان متعلقا بها بجنون ... هو أمر مألوف و مشهد تراه كل يوم ... !
أدينا الصلاة في مسجد قريب و عدت إلى السرير و نمت بسرعة قياسية ...
عندما نهضت ، كان ذلك قبيل الظهر و لم يكن في البيت غير والدتي ، فوالدي في مكتبه ، و رغد في الكلية ، و دانه مدعوة للغداء في مطعم ، مع خطيبها ...