.
و لم أسمح لنظراتي أن تلتقي بعيني رغد أو للساني أن يكلمها طوال الوقت .
بعد ذلك ، ذهبت مع أبى نتابع آخر الأخبار عبر التلفاز ، في غرفة المعيشة
لا يزال الدمار ينتشر ... و الحرب التي هدأت نسبيا لفترة مؤقتة عادت أقوى و أعنف ... و أخذت تزحف من قلب البلدة إلى الجهات الأربع ...
تم غزو مدينتين أخريين مؤخرا ، لم تكن الحرب قد نالت منهما حتى الآن ... و تندرج المدينة الصناعية التي نحن فيها الآن ، في قائمة المدن المهددة بالقصف ...
كنت مندمجا في مشاهدة لقطات مصورة عن مظاهرات متفرقة حدثت صباح اليوم في مدن مختلفة من بلدنا .... و رؤية العساكر يضربون المدنيين و يقبضون على بعضهم ...
منظر مريع جعل قلبي ينتفض خوفا ... و أثار ذكريات السجن المؤلمة المرعبة ...
في هذا الوقت ، أقبلت رغد تحمل مجموعة من الكراسات و اللوحات الورقية ، و جاءت بها إلي !
" تفرج على هذه أيضا ... هذا كل ما لدي "
وضعتُ الكراسات علة المنضدة المركزية ، و جلست رغد على مقعد مجاور لمقعدي ... تراقبني و تنتظر تعليقاتي حول رسوماتها الجميلة ...
إن عيني كانت على الرسومات ، ألا أن أذني كانت مع التلفاز !
بعدما فرغت من استعراض جميع الرسومات قلت :
" رائعة جدا ! أنت فنانة صغيرتي ! أهذا كل شيء ؟؟ "
رغد ابتسمت بخجل و قالت :
" نعم ... عدا اللوحة الأخيرة "
و أخفت أنظارها تحت أظافر يديها !
لماذا قررت رغد رسمي أنا ؟ و أنا بالذات !؟؟
إنها لم ترسم أحدا من أفراد عائلتي ... فهاهي الرسومات أمامي و لا وجود لسامر مثلا فيما بينها !
قلت :
" متى تنهينها ؟ "
لا زالت تتأمل أظافرها و كأنها تراهم للمرة الأولى !
قالت :
" غدا أو بعد الغد ... "
قلت :
" خسارة ! لن أراها كاملة إذا ! "
رفعت رغد عينيها نحوي فجأة بقلق ، ثم قالت :
" لماذا ؟ "
أجبت :
" لأنني ... سأرحل غدا باكرا ... كما تعلمين ! "
اختفى صوت الأخبار فجأة ، التفت إلى التلفاز فإذا به موقف ، ثم إلى أبي ، و الذي كان يحمل جهاز التحكم في يده ، فرأيته ينظر إلي بعمق ... و إلى أمي فوجدتها متسمرة في مكانها ، تحمل صينية فناجين و إبريق الشاي ...
و كنت شبه متأكد ، من أنني لو نظرت إلى الساعة لوجدتها هي الأخرى متوقفة عن الدوران !
حملق الجميع بي ... فشعرت بالأسى لأجلهم ... كانت نظرات الاعتراض الشديد تقدح من أعينهم
أول من تحدث كان أمي :
" ماذا وليد ؟؟ و من قال أنك سترحل من جديد ؟؟ "
صمت قليلا ثم قلت
" قلت ذلك منذ أتيت ... انتهت الزيارة و لابد لي من العودة "
قال والدي مقاطعا :
" ستبقى معنا يا بني "
هززت رأسي ، و قلت :
" و العمل ؟؟ ماذا أفعل ببقائي هنا ؟؟ "
و دار نقاش طويل حول هذا الموضوع ، و بدأت أمي بالبكاء ، و رغد كذلك






رد مع اقتباس
المفضلات