--------
نظرتُ إلى رغد نظرة متردّدة ثم قلتُ :
" ستبقى الخالة برفقتكِ... اعتمدي عليها في أي شيء تريدينه
و إذا احتجتما لي اتصلا في الحال "
ظهر الاهتمام على قسمات وجه رغد و قالتْ :
" إلى أين ستذهب ؟ "
أجبتُ بلطف :
" إلى البيت... إذ أنه لا يمكنني البقاء أكثر "
و هنا رأينا رغد تستوي جالسة... و تقول معترضة و وجهها يصفر ّ قلقاً :
" هل ستتركني وحدي ؟ "
تبادلتُ و الخالة النظرات ثمّ قلتُ :
" لا ... ستبقى خالتي معك "
و إذا برغد تهتف :
" أخرجني من هنا "
وضعها ينذر بأنها على وشك الثوران... لم استطع قول شيء فقالتْ الخالة :
" يهديك الله يا بنيّتي كيف يُخرجكِ هكذا ؟ "
لكنّ رغد لم تكن تمزح... بل أبعدتْ اللحاف و أرادتْ النهوض فأسرعتُ باعتراضها و أنا أقول:
" أوه كلا... أرجوكِ لا تتحرّكي "
فصاحتْ مرتاعة:
" كيف تذهب و تتركني؟ ألا ترى ما أنا فيه يا وليد؟ ألا ترى هذا ؟؟ "
قلتُ بهلع:
" حسناً حسناً ... سوف لن أذهب لكن أرجوك لا تنفعلي مجدداً... ابقـَي مكانك "
و أنا أعيد إسنادها إلى الوسادة...
و أتنهد ثم أمسح زخات العرق التي نبتتْ على جبيني
و أضغط على صدغي لأخفـّف الصداع الذي تفاقم لحظتها...
ثمّ أجلس على طرف السرير باستسلام...
لابد أن التوتر و الضيق كانا فاضحين جداً على وجهي...
للدرجة التي صعقتني رغد عندها بقول :
" ماذا ؟ هل ضقتَ ذرعاً بي ؟ إذن ارم ِ بي من هذه النافذة و أرح نفسك "
لا ! ليس من جديد... توقــّـفي عن جنونك يا رغد أرجوكِ كفى... كفى...
زحفتُ نحوها و قلتُ بألم و ما بي من بقايا طاقة تحتمل المزيد:
" ما الذي تقولينه يا رغد؟؟ أرجوك هذا يكفي "
قالتْ صارخةً :
" ألا ترى حالتي هذه؟؟ كيف تفكّر في الذهاب و تركي؟ ألا تشعر بما أنا فيه ؟ "
إنّكِ أنتِ من لا يشعر بما أنا فيه يا رغد...
قلتُ :
" لا لم أفكّر في ترككِ
و لكن نظام المستشفى لا يسمح ببقاء رجل برفقةِ مريضة في قسم السيدات.
حتّى لو كان أباها. لذلك طلبتُ من الخالة مرافقتك"
لكن رغد لم يعجبها هذا و أصرّتْ على أن أبقى معها تلك الليلة
و لم تكن حالتها تسمح بأن أتجاهل إصرارها...
و رغم الحرج الشديد الذي واجهته
و أنا أطلب من المسؤولين السماح لي بالبقاء هذه الليلة مع المريضة
و المرافقة... تعاطفا ً مع حالتها النفسية
رضختُ لرغبة رغد و تكبّلتُ العناء و قضيتُ الليلة الثانية ساهراً إلى جوار صغيرتي...
تاركاً أروى تبات وحيدة في المنزل الكبير...
لم تكن ليلتي ليلة ً و لم يكن حالي حالاً...
لا أنا و لا صغيرتي عرفنا للراحة طعماً...
كنتُ أجلس على مقعد تحجبه عن سريرها الستارة...
و لكنّي كنتُ أسمع كل حركاتها و تقلباتها و تأوّهاتها طوال الليل...
كانتْ نوبات الألم تكرّ و تفرّ على عظام الصغيرة المكسورة و أنسجتها الممزقة...
و الممرضة تأتي بين فترة وأخرى لإعطائها المسكّن...
في صباح اليوم التالي سمحتْ لي رغد بالخروج على أن أعود عصرا ...
و ما كادتْ تفعل.
كان الإرهاق قد أخذ منّي ما أخذ و لم أكن قد نمتُ البارحة أبدا...
غير غفوة قصيرة تملكتني بعد شروق الشمس.
و يبدو أن الخالة قد نجحتْ في إقناعها بتركي أذهب أثناء غفوتي القصيرة أول الصباح.
وقفتُ قرب رغد أسألها عن أي شيء أخير تريده قبل مغادرتي...






رد مع اقتباس
المفضلات