" رغد ؟؟ "
" نعم... سامر عد بسرعة أرجوك "
" ماذا حدث ؟ "
" وليد مريض جدا ... أنا سأنتهي... "
و انهارت ساقاي أخيرا و هويت أرضا... و أخذت أبكي بل أصرخ ...
لا أعرف ما قال سامر... لم أسمع أو لم أع ِ شيئا... و لم أقو َ بعدها على النهوض...
ربما كان سامر على بعد أمتار من الشقة لأنه حضر بسرعة
و ما إن دخل الشقة حتى هتفت :
" أرجوك افعل شيئا ... لا تدعه يموت ... "
كنت جاثية على الأرض في عجز تام... سامر لم يطل النظر إلي ّ ...
بل ألقى بالأكياس التي كان يحملها جانبا و أسرع نحو الغرفة...
~~~~~~~~
وليد كان يسعل بشدة و بالكاد يجذب أنفاسه...
و كان العرق يتصبب من جبينه بينما يشتعل جسده حرارة...
لدى رؤيته بهذا الشكل، أصبت بالروع ... و قررت إعادته إلى المستشفى فورا...
رغد الأخرى كانت بحالة سيئة و بصعوبة تمكنت من النهوض و مرافقتنا...
هناك شخـّص الطبيب حالته على أنها التهاب رئوي حاد...
و أمر بإدخاله إلى المستشفى مباشرة... لكن وليد رفض ذلك تماما
و اكتفى بقضاء بضع ساعات تحت العلاج...
أمر الطبيب بحقنه بعدة أدوية... و أبقى قناع الأوكسجين على أنفه طوال الوقت...
و ظل يتلقى العلاج حتى انخفضت حرارته و تحسن وضعه العام قليلا...
أما رغد فقد كانت منهارة و مشتتة للغاية... و ما فتئت تطلب مني أن :
" لا تدعه يموت ... أرجوك "
و كـأن الموت بيدي أو أملك لمنعه سبيلا...
أظن أن وفاة والدي ّ اللذين كانت هي متعلقة بهما كثيرا...
و بحاجة إلى رعايتهما... جعلها تتصور الموت يحيط بها و تخشى حدوثه...
و ربما أيضا كان للمأساة التي عاشتها ليلة القصف على المدينة... أثرها العظيم ...
و بالتأكيد... فإن حبّها لوليد جعلها في هوس على صحته... و حياته...
لا زلت أذكر كيف استقبلته في ليلة زواج دانة...
و كيف تدهورت صحتها و نفسيتها بعدما علمت بأمر ارتباطه بأروى...
و كيف كانت تراقبهما بغيظ في المزرعة... فيما أنا أتفرج عليها...
و أقف كالشجرة... بلا حول و لا قوّة...
و ها أنا الآن أقف كالشجرة...
أمام شقيقي و خطيبتي السابقة... بلا حول... و لا قوّة...
تمر الساعات بطيئة ثقيلة داكنة... خرساء عن أن كلمة أو إشارة...
و كلّما أن ّ وليد اخترق خنجر صدي... و كلّما تأوه مزقت سكين أحشائي...
و كلّما أفاق استقبلته أنظارنا بلهفة... فيقول :
" أنا بخير "
و كلما أغمض عينيه رفعت عيني إلى السماء داعيا الله أن يجعله بخير...
كان وقتا عصيبا... اكتشفت فيه أنني أحب شقيقي هذا أكثر مما كنت أعتقد...
و بالرغم من كل شيء أو أي شيء...
مع مرور الوقت تحسنت حالته و استرد بعضا من قوّته و طلب منّي إعادته إلى الشقة...
" و لكن يا عزيزي... الطبيب ينصح ببقائك "
فرد :
" أنا بخير الآن... لنعد يا سامر... لابد أنكما متعبين... و خصوصا رغد "
و فهمت ما يرمي إليه...
رغد قالت معترضة :
" أنا بخير "
فقال وليد :
" و أنا كذلك "
و نظر إلي ّ ... فقلت :
" حسنا... هيا بنا "
و في الواقع لم يكن هناك حل أفضل من العودة في تلك الساعة المتأخرة من الليل...
في الشقة بدا شقيقي أفضل حالا بعض الشيء
و لكنه لم يستطع مشاركتنا الطعام لشعوره بألم في معدته.
الطعام كان مجموعة من الشطائر و العصائر...
كنت قد جلبتها من أحد المطاعم أول الليل..
تناولناها أنا و رغد و نحن نراقب وليد... في غرفة النوم...