إنه ... لم يفقد أحد ذويه مثلما فقدت ُ أنا... و مثل من فقدت أنا...
لما لم يجد سامر مني الجواب، انصرف مغلقا الباب بالمفتاح...
حينها لم أتمالك نفسي و جعلت أبكي...
بعد ما يقرب من النصف ساعة توهمت سماع صوت منبعث من غرفة النوم...
و بدأ الوهم يتضح أكثر فأكثر... حتى تيقنت من أنه وليد...
ذهبت إلى الغرفة و أنا أسير بحذر... و ناديت بصوت خافت :
" أهذا أنت ... وليد ؟ "
كانت الغرفة مظلمة إذ أن سامر كان قد أطفأ المصابيح عندما غادرناها...
وليد قال بصوته الشبه معدوم :
" رغد ؟ ... "
" نعم... هل أنت بخير ؟ "
وليد بدأ يسعل بشدة سعالا استمر لفترة...
أفزعني سعاله... فتشت عن مكابس الإنارة و أضأت الغرفة...
كان لا يزال في نوبة سعال لم تنه...
" هل أنت بخير ؟؟ "
لم يكن يستطيع التوقف... تفاقم قلقي و نظرت من حولي
ثم خرجت إلى غرفة المعيشة بحثا عن بعض الماء...
عدت إليه مسرعة و قدمته إليه... و بعدما شربه انتهت النوبة و ارتمى على السرير مجددا...
و أخذ يتنفس بعمق من فمه و يسعل أحيانا...
هدأ قليلا ثم سألني :
" أين سامر ؟ "
قلت :
" ذهب ليصلي... "
قال :
" اتصلي به "
وقفت مأخوذة بالهلع... و سألت :
" اتصل به ؟؟ "
قال :
" نعم... أنا متعب "
و شعرت بأعصابي تنهار... و ما عادت ساقاي بقادرتين على حملي...
كنت أقف بجوار وليد و أرى بوضح علامات التعب و المرض ثائرة على وجهه
قلت بصوت متبعثر متفكك :
" ما بك يا وليد ؟ طمئني أرجوك ... "
و اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء...
وليد نظر إلي و مد يده و أمسك بأصابعي ...
و شعرت بحرارته الشديدة تنتقل إلي... ثم قال :
" لا تقلقي... أنا بخير "
قلت بانفعال :
" لا لست بخير ! أنت مريض جدا ... أرجوك أخبرني ... هل قال الطبيب شيئا ؟ "
وليد أطال النظر في عيني ...
و كأنه يبحث عن شيء مختبئ خلف بؤبؤيهما... ثم قال بحنان :
" هل... تخافين علي ؟ "
أخاف عليك؟ بل أكاد أموت من الفزع عليك... ألا ترى أن ساقي ّ... ترتجفان ؟
ألا تشعر بأنني... سأهوي أرضا ؟ ألم تحس برعشة يدي و برودتها ؟
لقد جفّت دمائي فزعا عليك يا وليد... و القلب الذي ينبض بداخلي... يضخ فراغا...
وليد ... ألم تفهم ؟؟
قلت بصوت متقطّع واهن :
" وليد... أنا... إنني ... "
و هنا عادت نوبة السعال إليه مجددا... أقوى و أعنف...
لم أحتمل ذلك ... كادت روحي تخرج مع سعلاته ...
أسرعت أجر ساقي ّ جرا ... إلى هاتفي و اتصلت بهاتف سامر...
" من معي ؟ "
" أنا رغد... "