فجأة رفعت رغد يديها و غطّت وجهها ... و هي تطلق صيحة قصيرة ...
كانت قبضتا يدي ّ لا تزالان تطبقان على ذراعيها بعنف ...
و بنفس العنف انقضتا فجأة على يديها ... و أبعدتهما بسرعة عن وجهها
فيما عيناي تحملقان بعينيها بقوة ....
صرخت ُ :
" ماذا فعل بك ؟؟ "
كانت رغد تنظر إلي ّ بذعر ...
نعم إنه الذعر ...
أشبه بالذعر الذي قرأته في عينيها ذلك اليوم ...
تملّصت رغد من بين يدي و ابتعدت بسرعة
و اتجهت نحو المقعد الذي كانت تجلس عليه قبل قليل ... و ارتمت عليه ... و هتفت :
" لا أريد أن أذكر ذلك ... لا أريد ... لا أريد "
و عادت لإخفاء وجهها خلف كفيّها .
دارت بي الدنيا آنذاك و شعرت برغبة شديدة في تمزيق أي شيء ... أي أي شيء !
التفت يمنة و يسرة في اضطراب باحثا عن ضحية تمزيقي ...
و بعض زخات العرق تنحدر من جبيني بينما أشعر باختناق ...
و كأن تجويف حنجرتي لم يعد يكفي لتلقي كمية الهواء المهولة
و الممزوجة بذلك الغبار و التي يرغمها صدري الشاهق على الاندفاع إليه ...
تحركت خطوة في كل اتجاه ... و بلا اتجاه ...
بعثرت نظراتي في كل صوب ... و بلا هدف ...
و أخيرا وقع بصري على شيء مختبئ عند إحدى زوايا الغرفة ...
يصلح للتمزيق !
توجهت إلى ذلك الشيء ، و التقطته عن الأرض ... تأمّلته برهة ... و استدرت نحو رغد ...
إنه صندوق الأماني القديم ... الذي جمع أمنيات صغرنا منذ 13 عاما !
ها قد آن أخيرا ... أوان استخراج الأماني ...
و لم علينا الاحتفاظ بها مخبأة أطول ما دامت الأقدار ... أبت تحقيقها ؟
على الأقل ... أمنياتي أنا ...
يجب أن يتمزّق أخيرا ....
و الآن يا رغد ... جاء دورك !
" رغد "
ناديتها فلم تستجب مباشرة . اقتربت منها أكثر فأكثر حتى صرت ُ أمامها مباشرة
هي جالسة على المقعد مطأطئة الرأس ... تداري الدموع
و أنا واقف كشجرة بلا جذور في انتظار اللحظة التي تهب فيها الرياح ، فتقلعها ...
" رغد ... أتذكرين هذا ؟ "
و ازدردت ريقي ...
إنها اللحظة التي لطالما انتظرتها ... سنين و سنين و سنين
و أنا أتوق شوقا و أحترق لهفة لمعرفة أمنيتك يا رغد ...
رفعت رغد رأسها و أخذت تنظر إلى الشيء المحمول بين يدي ...
نظرت إليه نظرة مطوّلة ... ثم اتسعت حدقتا عينيها
و انفغر فاها و شهقت شهقة مذهولة !
إذن ، فأنت تذكرينه ؟؟
إنه صندوق أمانيك يا رغد ... أيتها الطفلة العزيزة ... أنا صنعته لك منذ 13 عاما ...
في ذلك اليوم الجميل ... حين قدمت ِ إلي ّ منفعلة و أنت ِ تحملين كتابك الصغير و تهتفين :
" وليد ... وليد اصنع لي صندوقا "
تحركت عينا رغد من على الصندوق إلى عيني ّ ...
كانت آخر دمعة لا تزال معلقة على رموشها ، في حيرة .... أ تنحدر أم تتراجع ؟؟
شفتاها الآن تحركتا و رسمتا ما يشبه الابتسامة المترددة ...
و أخيرا نطق لسانها :
" صندوقي !! "
ثم هتفت متفاجئة :
" صندوقي ! أوه ... إنه صندوقي ! "
و هبّت واقفة و التقطته من بين يدي !
" يا إلهي ! "






رد مع اقتباس
المفضلات