°[" مصرع قمر بني هاشم ( عليه السلام ) وأخوته "]°
لمّا رأى أبو الفضل العباس بن علي ( عليهم السلام ) كثرة القتلى في أهل بيته دعا إخوته عبدالله وجعفراً وعثمان بني أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأمّهم أمّ البنين, وقال لهم: " تقدموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيّدكم حتى تموتوا دونه ".
فااستجاب إخوة أبي الفضل لدعوة أخيهم, وأقبلو جميعاً فوقفوا أمام الحسين ( عليه السلام ) وقدّموا أرواحهم وقاءً لروحه ( عليه السلام ) واستقبلوا السهام والرماح والسيوف بوجوههم وأعناقهم.
{ فحمل هائى بن ثبيت الحضرمي - لعنة الله عليه - على عبدالله بن علي ( عليه السلام ) فقتله, ثمّ حمل على أخيه جعفر بن علي ( عليه السلام ) فقتله أيضاً, ورمى يزيد الأصبحي - لعنة الله عليه - عثمان بن علي ( عليه السلام ) بسهم فقتله, ثم خرج إليه فاحتزّ رأسه؛ وبقي العبّاس بن علي ( عليه السلام ) قائماً أمام الحسين يقاتل دونه, ويميل معه حيث مال حتى قُتل سلام الله عليه }.
نُقلت هذه الأسطر التى قيلت في مقتل أبناء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن كتاب أبي حنيفة الدنيوري الذي كان قد كتبه قبل أكثر من ألف سنة, ولكنّه جاء في المقاتل الأخرى أنّ عبدالله بن علي ( عليه السلام ) تقدّم وهو يقول:
أنا ابن ذي النجدة و الإفضال *** ذاك عليّ الخير ذو الفعال
سيف رسول الله ذو النكـال *** في كلّ يوم ظاهر الأهوال

ثم قاتل قتالاً شديداً حتى قتله هانئ بن ثبيت الحضرميّ بعد أن اختلفا ضربتين, ويقول أبو الفرج: " كان سنّه في ذلك اليوم خمساً وعشرين سنة ".
ثم برز جعفر بن علي ( عليه السلام ) وهو يقول:
إنّي أنا جعفر ذو المعـالي *** ابـن علـيّ الخيـرذي النوال
حسبي بعمّي جعفر والخال *** أحمي حسيناً ذا الندى المفضال

فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي, ويقول ابن شهر أشوب: رماه خوليّ بن يزيد الأصبحيّ بسهم فأصاب شقيقته أوعينه فقتله, ويروي أبو الفرج عن الباقر ( عليه السلام ) أن قاتل جعفر هو خوليّ.
ثم تقدم عثمان بن علي ( عليه السلام ) إلى القتال وهو يقول:
إني أنا عثمان ذو المفاخر *** شيخي عليّ ذو الفعال الظاهر
هذا حسين سيّـد الأخاير *** وسيد الصغار و الأكابــــر

وقاتل حتى رماه خوليّ الأصبحي بسهم وقع في جبينه فسقط عن فرسه إلى الأرض فجاءه رجل من بني دارم فاحتزّ رأسه, وكان سنّه في ذلك اليوم إحدى وعشرين سنه, وروي عن الإمام علي ( عليه السلام ) أنّه قال: " إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون ".
وكان العبّاس ( عليه السلام ) أكبر أبناء أم البنين, والابن الرابع لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) يكنّى بأبي الفضل, ويلقّب بالسّقاء, وكان صاحب لواء الإمام الحسين ( عليه السلام ).
كان العباس رجلاَ وسيماَ جميلاَ حتى كان يدعى بقمر بني هاشم, يركب الفرس المطهًم ورجلاه تخطًان في الأرض لطوله, كان أخاً من أب وأمّ لثلاثة إخوة وكانوا ثلاثتهم بلا عقب بعث بهم أبو الفضل أمامه حتى يراهم قتلى ويحتسبهم ولمّا قتل إخوته الثلاثة على النحو الذي تقدم جاء إلى أخية الحسين ( عليه السلام ) يستأذنه ويسأله الرخصة في القتال, فبكى الحسين بكاء شديداً وقال: " يا أخي, أنت صاحبلوائي, وإذا مضيت تفرّق الحياة, وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين ".
فقال الحسين ( عليه السلام ): " إذاً فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء ".
فذهب العبّاس إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبار, وطلب منهم شيئاً من الماء للأطفال, فلم ينفعهم وعظه, فرجع إلى أخيهوأخبره, فسمع الأطفال ذلك فراحوا ينادون: " العطش, العطش ". فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة وقصد الفرات فأحاط به أربعة الآف ممّن كانوا موكلين بالفرات فرموه بالنبال, فحمل عليهم وهو يرتجز ويقول:
لا أرهب الموت إذ المـوت زقـا *** حتى أوارى في المصاليت لقا
نفسي لنفسي المصطفى الطهروقا *** إني أنا العبّـاس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشرّ يوم الملتقى

وكان لا يحمل على جانب منهم الإّ كشفهم حتى قتل منهم * على ما روي * ثمانين رجلاً, حتى دخل الشريعة ثمّ اغترف من الماء غرفة وأدناها من فمه ليشرب فتذكّر > لشدّة عطشه وضرام كبده < عطش أخيه الحسين و أهل بيته, فرمى الماء من يده, ثم ملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن, وركب جواده وتوجّه نحو الخيام مسرعاً ليوصل الماء إلى العطاشى من الاطفال, فأخذوا عليه الطريق و أحاطوا به من كل جانب فقاتلهم حتى كمن له نوفل الأزرق * وفى رواية: زيد بن ورقاء * خلف نخله وأعانه حكيم بن الطفيل, فضربه على يده اليمنى فقطعها, فحمل القربة على كتفه الأيسر, وأخذ السيف بشماله, وحمل عليهم وهو يقول:
والله إن قطعتم يمــني *** إني أحامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبيّ الطاهر الأمين

وقاتل سلام الله عليه, حتى ضعف عن القتال, فكمن حكيم بن الطفيل وراء نخلة وضربه على شماله فقطعها من الزند فأنشأ يقول:
يا نفس لا تخشي من الكفار *** وأبشري برحمة الجبّار
مع النـبيّ الــسيّد المختار *** قد قطعوا ببغيهم يساري
فاصْلِهم ياربّ حرّ النار

أخذ القربه بأسنانه, وجعل يسرع نحو المخيّم, فجأء سهم فأصاب القِربة فأريق ماؤها. وجاء سهم فأصاب صدره, فسقط عن جواده. وصاح إلى أخيه الحسين ( عليه السلام ): " أدركني يا أخي " * وفي رواية المناقب: إن لعيناً ضربه بعمود حديدي على رأسه فقتله *, فإذا به يجده مثغناً بالجراح, مقطوع اليدين, فبكى وقال: " الآن انكسر ظهري, وقلّت حيلتي ".
وفي رواية أنه أخذ ينشد :
تعديتم يا شرّ قوم ببغيـــكم *** وخالفتـــم دين النبي محمد
أما كان خير الرسل وصاكم بنا *** أما نحن من نسل النبي السمدّد
أما كانت الزهراء أمّي دونكم *** أما كان من خير البريّة أحــمد
لُعنتم وأخزيتم بما قد جنَيتمُ *** فسوف تلاقون حرّ نار تـــوقّد

ويروى في حديث عن الإمام السجّاد ( عليه السلام ) أنّه قال: " رحم الله عمّي العبّاس, فقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عزّ وجلّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة, وإن العباس عند الله منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ".
قالوا: وكان للعبّاس ( عليه السلام ) حين استشهد أربع وثلاثون سنة من العمر.

.:]( المصدر ^ سُفرة أم البنين والسيدة زينب وأبو الفضل العباس عليهم السلام ^ لـ ماجد ناصر الزبيدي )[:.