على منابرهِ، أشذَاءُ خاطرِه
ومن جواهرِه، الصدَّاحةُ الخُطَبُ
ومِنْ مآثره، أحْجى أوامرِه
ومن منائرِه، تَستمْطِرُ الكتُبُ
إنْ غرَّدَ الصوتُ هدّاراً "بقاصعةٍ"
كالبحرِ هاج، وهلَّتْ ماءَها السُحُبُ(11)
أوِ استغاثَتْ به الآياتُ كان لها
روحاً على الراح، يا أسخاهُ ما يهبُ...
يَذُودُ عن هادياتِ الشرعِ، يَعْضُدُها
والحقُّ كالصبحِ، لا تلهو بهِ الحجُبُ
هو الوصيُّ على الميثاق، مؤتَمنٌ
على تراثِ نبيَّ الله، منتَدبُ
هو الخليفةُ، ما شأْنُ "السقيفة" إنْ
طغَتْ على إهلها الأهواء والرِتَبُ
"أْنذِرْ عشيرَتَك القُرَبى" فأنذَرَها
وقالَ ربُّك قولاً فوقَ ما طلَبُوا(12)
ما غرَّهُ الغُنْمَ، فاغتابوا تفجّعَهُ
على الرسول، ودمعُ القلبِ ينسكبُ
شّتانَ بين لظى المفجوع، يُرهُبه
هولُ الفراغ، وذاك المشهدُ العجَبُ
وبين مَنْ هَامَ في أحلامهِ شغفاً
فراحَ يلعبُ فيه العرضُ والطلبُ...
ما همَّ أن يستحقَّ الغَبْنَ، ما سلِمَتْ
للمسلمين أمورٌ، وانجلتْ نُوَبُ(13)
فكان للخلفاءِ، الدرعَ واقيةً
وللخلافةِ ظلاً، ليس يحْتجبُ
لولا عليُّ، لما استقوى بها عمَرٌ
يوم "النفير" ولولا المرشِدُ النَجِبُ(14)
وكان من خطر "الإقطاع"، أنْ هُتِكَتْ
أركانُ أُمَّتهِ، والشعبُ منشَعِبُ
***
قفْ... هل تساءلتَ كيف المسلمون غدَوْا
مِنْ بعدِ بُعْدِكَ...؟ فاسأَلْ ما هو السببُ
ما سرُّ عثمان..؟ كيف الغدرُ حوُّلهُ
إلى قميصٍ، بهدر الدم يختَضِبُ
وكيف زلَّتْ خطى الإسلام، وانحرَفَتْ
عمّا وقَتْهُ رموشُ العينِ والهُدُبُ
أين التعاليم..؟ والقرآنُ مندثرٌ
والشرعُ يحكمُ فيه الطيشُ واللَّعِبُ
والدينُ تاهتْ أحاديثُ النبيَّ بهِ
فحرَّفوها خِداعاً، كيفما رغبوا
والجور سادَ، وضلَّتْ أمةٌ، وبَغَتْ
على بنيها، وطَيْفَ الله ما رَهِبوا
ومُزَّقَتْ فِرَقٌ، إنْ خفَّ رَكْبُهمُ
تلقَّفتْهُمْ جذوعُ النخْلِ والكُثُبُ
سيفُ الإمامِ حَبَا الإسلامَ عِزَّتهُ
بأيَّ سيفٍ همُ أشياعَه ضربوا...!
***
لم يسْتَسِغْ بَيْعةً إلاّ ليكْلأَها
نهجُ الرسول، وبالآياتِ تعتَصِبُ
فقاوموه.. لأنَّ الشرَّ ما خمدَتْ
أدراُنهُ، وجنودُ الشرّ ما احْتَجَبُوا...
بأيَّ روحٍ إلهيَّ يمدُّ يداً
"لإِبْنِ مُلجَمَ"، وهو النازفُ التَّعِبُ(15)
فسطّرَ النبلَ دستوراً وعمَّمَهُ
كالنور في الأرض، تستهدي به النُجُبُ
وكَّبلَ الزمنَ المرصودَ في يدِه
كأنَّهُ، مَلِكَ الإيحاءِ يصْطَحِبُ
هو الخلودُ، ومصباحُ السماءِ فلا
يغيبُ... ما غابَ، إلاّ وهو يقتربُ
إنَّ الإمامَ هنا، سيفُ الإمام هنا
صوتُ الصهيل هنا، والوقْعُ والخبَبُ
كالنجم تلتقطُ الأفلاكَ جبهتُهُ
إنْ غرَّبَ الضوء، ليس النجم يغتَربُ..
المفضلات