ووجدت نفسها تسير نحو قدر ينتظرها في مكان ما وفي لحظة ما.. ولكن عندما وقعت عيناها علي الرسالة المكتوبة بلغتها أدركت أن القدر قد اختارها، ورسم مصيرها وما عليها سوي التسليم..
وعادت مليكا الى نفسها عندما اقتربت السفينة من مشارف (سامراء) من بعيد طالعها ذلك البناء الحلزوني وحدست في نفسها أنه منارة مسجد كبير.
رست السفينة مرسي (الخليج) وانتقل المسافرون الى الشاطيء حيث المدرجات التي تؤدي الى شارع الخليج..

التوتر يسود سامراء، وقد بدا واضحاً أن الطغمة التي كانت متنفذة في زمن المتوكل قد عادت الى الحكم كأشرس ما تكون كما أن تعيين ابن أبي الشوارب رئيسا لسلطة القضاء قد جاء ليعكس سياسة الدولة ازاء العلويين فابن أبي الشوارب معروف بولائه الاموي!
وفي هذه الفترة تم القاء القبض علي كثير من العلويين كما اخمدت ثوراتهم بقسوة ووحشية ورحّل كثير من زعاماتهم الى سامرّاء لوضعهم تحت رقابة مشدّدة أو توقيفهم وكان منزل الامام الهادي يخضع هو الا´خر للرقابة حتى أن بعض وكلائه يتظاهرون بحرف وأعمال تغطية لدورهم في تعزيز الاتصال بين الامام وقواعده الشعبية.
وكان لكثرة الاضطرابات والقلاقل في أنحاء الدولة وفساد الطغمة الحكمة ونهبها لاموال الامة قد جعل من سامراء علي فوهة بركان سرعان ما يثور ويحيل كل شيء الى خرائب وحمامات دم..
وكان الصراع بين القادة الاترك علي أشدّه، وبدا بغا الشرابي يحاول المستحيل لاقناع المعتز بالرحيل الى بغداد لكن دون جدوي فانصرف الى التنسيق مع صالح بن وصيف للقيام بحركة عسكرية والاطاحة بالمعتز والقضاء علي قوّات الحرس من المغاربة.
وقبيل الغروب وصل بشر النخاس (درب الحصا) حيث يوجد منزل الامام وكانت الجارية الرومية تتبعه وعيناها تشرقان بالامل.
احتفي الامام الهادي بالفتاة التي وصلت علي قدر.. كان المنزل تغمره سكينة الغروب الحسن قد أوي الى السرداب كعادته يعبدالله، وجعفر لم يعد الى المنزل بعد.. التفت الامام الى كافور قائلاً:
ـ أدعُ لي اختي حكيمة.
كانت حكيمة قد تحدثت مع شقيقها حول زواج الحسن الذي جاوز العشرين ولم يتخذ زوجة له، ولاسباب مستورة بحجب الغيب في المديات البعيدة فضل الامام الهادي أن يقرن ابنه بفتاة تتحمّل هموم المصير.. تنجب له الصبي الموعود الذي بشّرت به الرسالات ويحقق أحلام الانبياء يعيد للحياة الانسانية كرامتها وللارض خضرتها والربيع..
وصبي كهذا ينبغي أن تكون والدته سيّدة لا يعرفها أحد
قادمة من صقع بعيد.. فيها خصال من (يوكابد) أم موسي ومن مريم ابنة عمران.. لان الوليد سيحمل غضب موسي، ومعجزات المسيح عيسي بن مريم..
من أجل هذا اختار القدر الالهي (مليكا) لتشدّ الرحال وتخوض الاهوال لتصل علي قدر منزلاً في درب الحصا.. هاهي جالسة في حضرة الرجل الذي بلغ الاربعين من عمره وقد اشتعل رأسه شيبا.. لشدّما يشبه فتي الاحلام.
وصلت حكيمة متلهفة لرؤية الفتاة وعندما سمعت شقيقها يقول مشيراً اليها:
ـ هاهي!
حتي هبّت لاعتناقها آه أنها فتاة كاملة..
انحنت مليكا وقبلت يد السيّدة المباركة..
وطوال الوقت كانت حكيمة لا تنفك تنظر الى الفتاة.. ذات الوجه المضيء وقد تورّد الحياء فوق وجنتيها..
قال الامام مخاطباً الفتاة:
ـ كيف أرك الله عزّ الاسلام وذلّ النصرانية؟
قالت الفتاة بأدب:
ـ كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني.
قال الامام وهو يغمرها بحنانه:
ـ أريد أن كرمك.. فأيّما احبّ اليك: عشرة آلاف درهم؟ أم بشري لك بشرف الابد؟
ـ بل البشري يا سيدي!
قال الامام وهو يبشر بميلاد الطفل الموعود:
ـ فابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً.. ويملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت الفتاة وقد غمرتها روح مهيمنة:
ـ ممّن؟
ـ قال الامام بلغة رومية:
ـ ممّن خطبك رسول الله له.
توهجت في أعماقها مشاهد ذلك اليوم عندما انهارت الصلبان والاعمدة.. ويوم رأت المسيح يعانق النبي العربي.. وليلة رأت مريم ومعها سيدة متسربلة بالشمس والقمر، وعلي رأسها كليل مرصع بكوكب درّية..
لاذت بالصمت وبدت في جلستها الهادئة حورية قادمة من جنّة ما..
قال الامام مخاطباً اخته:
ـ يا بنت رسول الله خذيها الى منزلك.. وعلّميها الفرائض والسنن.
كانت الغيوم تحجب الشمس ولكنها ما تزال تبعث بدفئها ونورها الشفاف يغمر الارض..
ونهضت حكيمة مصطحبة معها الفتاة الكريمة التي ستدعي بعدّة اسماء.. فهي (ريحانه) و(سوسن) و(نرجس) وحديثة.. اما اسمها الحقيقي (مليكا) فسيبقي مستوراً مع جذورها وسرّها المكنون..
اءنها في الظاهر جارية لا فرق بينها وبين (ماريا) و(نسيم) ولكنها في الحقيقة (سيدة الاماء).
وانتقلت مليكا الى منزل امرأة صالحة هي ابنة اءمام واخت اءمام وعمّة اءمام وسيقدّر لها ذات يوم أن تشهد ميلاد المعجزة.
وتدور الايام.. وسامراء غارقة في المؤامرات وقد استيقظ الشيطان.. ذرّ قرنيه وراح يعربد في كل مكان..
وفيما كانت الاشياء تهتز بعنف تحت سنابك خيل الاترك كانت هناك نقطة مغمورة بالسلام..
في منزل هاديء بدرب الحصا..
هنك انسان ينظر الى الافق البعيدة الى قوافل قادمة من المستقبل.. من أجل هذا راح يبشر باءطلالة الفجر الخالد.. سيولد الطفل.. سيولد الفارس الاخضر سيولد الذي ينقذ الانسانية المعذبة..
سيولد بشارة الرسالات القديمة.. ومن يصلّي خلفه عيسي بن مريم.. سيولد الذي يصارع التنين..
سيولد بشارة الرسول والكوكب الدرّي.. والذي بشرّ بميلاده علي صوت العدالة والانسانية وحفيد علي الهادي الذي بدأ يخطط لبزوغ الامل الاخير والشمس المستورة وراء حجب الغيوم..







اتمنى اني وصلت للمطلوب